في عالم سريع التغيّر، لم يعد بالإمكان الاعتماد على القرارات المرتجلة أو الانطباعات الشخصية في إدارة الملفات الكبرى: الصحة، الطاقة، التعليم، البيئة، والأمن الغذائي. هنا يأتي دور الخبرة العلمية المنظَّمة، التي تعمل كـ “جسر” هادئ لكن حاسم بين المعرفة المتراكمة في المختبرات والجامعات، وبين طاولة النقاش حيث تُصنع السياسات والاستراتيجيات.
المجلس الاستشاري العلمي يمثل هذا الجسر. فهو ليس جهة تنفيذية، ولا حزباً سياسياً، ولا بديلاً عن صانع القرار، بل هو عقل جماعي مستقل، يجمع الخبرات العلمية في مجالات متعددة، ليحوّل الأرقام والأبحاث المعقدة إلى توصيات واضحة، قابلة للتطبيق، ومبنية على أدلة، وليست على مزاج أو ضغوط لحظية.
أهمية هذا الدور تزداد في لحظات الأزمات. فحين تظهر جائحة جديدة، أو أزمة اقتصادية عالمية، أو كوارث مناخية، يكون الوقت ضيقاً، والمعلومات متناقضة، والضغوط الاجتماعية والإعلامية في أقصاها. في ظل هذه الفوضى، يقدّم المجلس الاستشاري العلمي “مساحة هادئة للتفكير”، يقيّم فيها البيانات، ويراجع السيناريوهات، ويقترح بدائل مبنية على تحليل موضوعي بعيد عن الضجيج.
لكن هذا الجسر لا يعمل من طرف واحد؛ فالعلماء وحدهم لا يصنعون حلولاً فعلية ما لم يفهموا القيود الواقعية للسياسات، من ميزانيات، وتشريعات، وثقافة مجتمعية، وأولويات وطنية. لذلك، فإن المجلس الاستشاري العلمي الناجح هو الذي يتحدث “لغتين” في آن واحد: لغة العلم الدقيق، ولغة القرار العملي.
في كثير من التجارب الدولية، كان للمجالس الاستشارية العلمية دور محوري في:
-
وضع استراتيجيات التحول الرقمي.
-
تطوير سياسات التعليم العالي والبحث العلمي.
-
توجيه الاستثمار في مجالات الطاقة المتجددة.
-
تصميم برامج صحية وقائية طويلة المدى.
هذه التجارب تؤكد حقيقة بسيطة: وجود آلية ثابتة ومنظمة لدمج العلم في صناعة القرار، يختصر الوقت، ويقلل الهدر، ويزيد من فرص النجاح.
المجلس الاستشاري العلمي ليس مجرد مجموعة من الأسماء؛ هو ثقافة جديدة في إدارة الدولة، وثقة متبادلة بين صانع القرار والخبراء، وإيمان بأن المستقبل يُبنى بعقل بارد، وقلب مسؤول، وعلم موثوق.
نقاط رئيسية من المقال:
-
المجلس الاستشاري العلمي جسر بين المعرفة والقرار.
-
دوره يتعاظم في الأزمات والعصور المعقّدة.
-
النجاح يتطلب فهم لغة العلم ولغة السياسة معاً.
-
التجارب الدولية تثبت أن العلم يقلّل الفشل والهدر في السياسات العامة.