لم يعد العالم اليوم يفتقر إلى البيانات؛ على العكس تمامًا، نحن نعيش في طوفان رقمي لا يتوقف. كل مستشفى يولّد أرقامًا، كل مدرسة تنتج تقارير، كل مشروع اقتصادي يترك خلفه سجلات واسعة، وكل هاتف ذكي يضيف طبقة جديدة إلى هذا البحر الهائل من المعلومات. لكن السؤال ليس: هل نملك بيانات كافية؟ بل: هل نملك الحكمة الكافية لاستخدامها؟
تحويل البيانات إلى حكمة عملية هو قلب العمل العلمي في عصرنا. فالعلم لا يقتصر على اكتشافات المختبر فقط، بل يمتد إلى فنّ قراءة الواقع من خلال الأرقام، ثم اقتراح حلول تتناسب مع هذا الواقع. هنا يظهر دور المجالس الاستشارية العلمية كبيوت خبرة تمتلك القدرة على الإمساك بطرفي المعادلة: الكم الهائل من البيانات من جهة، والتحديات الواقعية للمجتمع من جهة أخرى.
رحلة “الرقم” نحو أن يصبح “بصمة في المستقبل” تمر بعدة محطات متداخلة، من بينها:
-
اختيار ما نريد أن نعرفه حقًا: قبل جمع الأرقام، لا بد من طرح أسئلة واضحة: ماذا نبحث عن؟ ما المشكلة التي نحاول فهمها؟ ما القرار الذي نريد تحسينه؟
-
تنظيف وفهم البيانات: الأرقام الخام قد تكون مضلّلة إذا لم تُنقَّح وتُفسَّر بدقة. هنا يأتي دور الخبراء في الإحصاء وتحليل البيانات.
-
ربط النتائج بالسياق الإنساني: الرقم الذي يخبرك أن “نسبة التسرب المدرسي ١٠٪” لا معنى له إن لم نعرف أين، ولماذا، ومع من؟
تخيّل مثلاً أن بيانات قطاع التعليم تكشف أن نسبة التسرب أعلى في منطقة معينة، وفي فئة عمرية محددة. يمكن لصانع قرار غير مدعوم بالعلم أن يكتفي بإلقاء اللوم على الطلاب أو الأسر أو المدارس. لكن المجلس الاستشاري العلمي سيبحث أعمق: هل المشكلة اقتصادية؟ هل ترتبط بمناهج غير مناسبة؟ هل هناك نقص في المعلمين أو الكوادر؟ هل تؤثر البيئة الاجتماعية أو الثقافية؟ ثم يقترح حلولاً متعددة المستويات، بعضها قصير الأمد، وبعضها طويل الأمد.
استخدام العلم في قراءة البيانات لا يعني فقط “فهم ما يحدث”، بل يعني أيضاً “منع ما قد يحدث لو تجاهلنا الإشارات المبكرة”. على سبيل المثال، قد تشير بيانات المستشفيات إلى تزايد بطيء في مرض معيّن في منطقة محددة. تجاهل هذه الإشارة قد يقود إلى أزمة صحية لاحقًا، بينما التدخل المبكر، المبني على قراءة علمية، قد يمنع المشكلة قبل أن تكبر.
من جانب آخر، تعزيز ثقافة القرارات المبنية على البيانات يحصّن المجتمعات ضد النزعات العشوائية والانفعالية. عندما يعتاد صانعو القرار على سؤال بسيط قبل أي خطوة كبيرة – “أين هي البيانات التي تدعم هذا التوجه؟” – فإنهم يفتحون الباب تدريجيًا لعقلية جديدة في الإدارة، تجعل من العلم شريكًا دائمًا، لا ضيفًا مؤقتًا.
ومع الوقت، تظهر آثار هذه العقلية في عدة جوانب:
-
مشاريع أقل فشلًا، لأن دراسات الجدوى تصبح أكثر واقعية.
-
خطط تنموية أكثر عدلاً، لأنها تستند إلى معرفة حقيقية باحتياجات الفئات والمناطق المختلفة.
-
قدرة أعلى على التنبؤ بالمخاطر، وبالتالي تقليل الخسائر عند وقوع الأزمات.
بهذا المعنى، الرقم الذي يُكتب اليوم في جدول صغير قد يتحوّل غدًا إلى بصمة حقيقية على حياة الناس، إذا مرّ عبر عقل علمي منظم، وإطار مؤسسي يمنح العلم دورًا مركزيًا في صناعة القرار. أمّا البيانات التي لا تجد طريقها إلى عقل مسؤول وقلب يهتم بالمستقبل، فتبقى مجرد سطور صامتة في ملفات منسية.
وهنا يأتي الدور الحاسم للمجالس الاستشارية العلمية: أن تضمن ألا تضيع هذه الأرقام، وألا يُسجن العلم في التقارير، بل يتحوّل إلى رؤية، ثم إلى سياسة، ثم إلى واقع يعيشه الناس. فالمستقبل لا يُبنى بالكلمات الكبيرة فقط، بل يُصاغ كل يوم، بهدوء، عبر قرارات صغيرة وكبيرة، عندما نختار أن نستمع للعلم، وأن نحترم ما تقوله لنا بياناتنا عن أنفسنا وعن الطريق الذي نسير فيه.