أحيانًا لا تحتاج الأوطان إلى معجزة لتتغيّر، بل إلى لحظة صدق مع العلم، وإلى قرار واحد يخرج من قلب بيانات واضحة ودراسات متينة، لا من انطباع عابر أو ضغط إعلامي سريع. في تلك اللحظة التي يجلس فيها صانع القرار أمام تقرير علمي موثوق، مدعوم بتحليل دقيق ونقاش عميق بين الخبراء، يحدث التحوّل الحقيقي: العلم يتكلم، والعقل يستمع، والمستقبل يبدأ في التشكل بهدوء.
في ملفات كبرى مثل إصلاح التعليم، التخطيط الصحي، الأمن الغذائي، الطاقة، والتحول الرقمي، لا يكون الخطأ مجرد سوء تقدير، بل قد يترك أثره على أجيال كاملة. إصلاح مناهج تعليمية دون دراسة علمية قد ينتج جيلاً حائراً، وسياسة صحية بلا بيانات قد تترك المرض يتفشى بصمت، واختيار نموذج اقتصادي بلا تحليل واقعي قد يفتح الباب لأزمات مالية قاسية. هنا يصبح وجود مجلس استشاري علمي حقيقي ليس رفاهية، بل ضرورة استراتيجية.
المجلس العلمي لا ينافس صانع القرار، ولا ينتزع منه سلطة القرار الأخير. بل يقدّم له ما لا يستطيع أي شخص بمفرده أن يجمعه: رؤية شاملة، مبنية على تراكم معرفي وخبرة عملية، وعلى قراءة هادئة لاتجاهات العالم. يقدم له خريطة للمخاطر والفرص، ويضع أمامه سيناريوهات متعددة، ويشرح آثار كل خيار بلغة واضحة، بعيدة عن التهويل، لكنها أيضاً بعيدة عن التجميل.
من قوة القرارات المبنية على العلم أنها لا تولد في فراغ، بل تمر بمسار منضبط يمكن تلخيصه في مساحات أساسية، مثل:
-
تشخيص دقيق للمشكلة: لا يمكن حل ما لا نفهمه؛ العلم يبدأ بتحديد المشكلة كما هي لا كما نتخيلها.
-
اختبار البدائل قبل تنفيذها: من خلال النماذج، الدراسات، والمحاكاة، نستطيع أن نرى النتائج المتوقعة قبل أن ندفع ثمنها على أرض الواقع.
-
تقدير الأثر بعيد المدى: القرار الحكيم لا ينظر فقط إلى اليوم والغد، بل إلى السنوات والعقود القادمة.
تخيّل مثلاً قرارًا بتغيير نموذج التعليم في بلدٍ ما:
هل ننتقل للتعليم الرقمي؟ كيف سيؤثر ذلك على الطلاب في القرى والأطراف؟ هل البنية التحتية جاهزة؟ ما أثر ذلك على الفجوة بين الأغنياء والفقراء؟ كيف يمكن ضمان أن لا يصبح التعليم حكرًا على من يملك أجهزة أفضل واتصالًا أسرع؟ هذه الأسئلة ليست رفاهية، بل أساس؛ والعلم هو الأداة الوحيدة القادرة على تقديم إجابات متوازنة لها.
بعد سنوات، لن يتذكر الجميع تفاصيل التقارير أو أسماء اللجان، لكنهم سيعيشون نتائج تلك القرارات:
جيل يتعلّم بطرق أكثر فاعلية، نظام صحي أكثر قدرة على الصمود، اقتصاد أقل هشاشة أمام الأزمات، ومدن أكثر تنظيمًا وإنسانية. هكذا يصبح القرار المبني على العلم بمثابة نقطة تحوّل خفيّة: لا تُرى فورًا، لكنها تغيّر المسار تدريجيًا، حتى يلتفت الناس فجأة ليجدوا أن شيئًا عميقًا قد تبدّل.
في النهاية، حين يُفسح المجال للعلم كي يتكلم، لا يخسر صانع القرار مكانته، بل يكتسب شريكًا قويًا وهادئًا، يذكّره أن الإدارة ليست شجاعة فقط، بل مسؤولية أمام التاريخ، وأن قرارًا واحدًا، عندما يُبنى على علم، قد يغيّر فعلاً مصير وطن بأكمله.