في زمنٍ تتزاحم فيه الأخبار، وتتنازع فيه التفسيرات، وتتسابق فيه الشائعات مع الحقائق، تصبح الثقة واحدة من أثمن وأندر الموارد الاجتماعية. ولأن الإنسان لا يبحث فقط عن المعلومة، بل عن مصدر يمكن الاعتماد عليه، يتحوّل العلم—عندما يُقدَّم بصدق ومسؤولية—إلى بوابة واسعة تربط بين المجتمع ومؤسساته، وتمنح القرارات العامة جذورها التي تستند إلى المعرفة لا إلى الانطباعات.
فالناس اليوم لا يطلبون قرارات جاهزة، ولا يكتفون بالشعارات الكبرى. إنما يريدون أن يفهموا: لماذا اتُّخذ هذا القرار؟ ما الأسس العلمية وراءه؟ ومن هم الخبراء الذين وقفوا خلف صياغته؟ حين يشعر المواطن بأن الإجراءات الصحية، أو السياسات الاقتصادية، أو التوصيات البيئية مبنية على بحوث رصينة، ومسندة إلى متخصصين مستقلين، فإن موقفه يتغيّر جذريًا. قد يعترض أو يناقش، وقد لا يتفق مع كل التفاصيل، لكنه لن ينظر إلى القرارات باعتبارها نزوات أو ردود أفعال مرتجلة، بل كخطوات مدروسة تهدف إلى تحسين حياته، مهما كانت قابلة للنقد أو التطوير.
غير أن المعرفة العلمية وحدها لا تكفي؛ فالقيمة الحقيقية تظهر عندما ننجح في تبسيطها دون تشويه، وشرحها دون تكلّف، ونقلها إلى الناس بلغتهم هم، لا بلغة المختبرات والمصطلحات المغلقة. هنا يتقاطع العلم مع فنون التواصل، ويصبح على المؤسسات العلمية أن تتعلم كيف تشرح، لا فقط كيف تحلل أو تستنتج.
ولهذا تلعب المجالس العلمية الاستشارية دور “المترجم” بين عالم الباحثين المليء بالتفاصيل الدقيقة، وبين الواقع الاجتماعي الذي يحتاج إلى رسائل واضحة ومباشرة. فهي تتعامل مع النماذج الإحصائية والرسوم البيانية والتوقعات المعقدة، لكنها تُعيد صياغة المخرجات بما يمكّن المجتمع من فهمها واتخاذ قرارات واعية. هذا الدور الوسيط ليس مهمة بسيطة، بل هو أساس متين لمنظومة الثقة العامة.
ولكي تنجح هذه العملية، تحتاج المؤسسات العلمية إلى الالتزام بثلاث ركائز جوهرية:
أولاً: الشفافية. فالمصداقية لا تُبنى على إظهار ما نعرف فقط، بل أيضًا على الاعتراف بما لا نعرفه. والعلم الحقيقي لا يدّعي الكمال، بل يكشف حدوده بكل شجاعة.
ثانيًا: الاستقلالية. فالرأي العلمي يفقد قيمته عندما يختلط بضغوط السياسة أو المصالح التجارية. إن الحفاظ على مسافة واضحة بين البحث العلمي ومراكز التأثير ضرورة لحماية المعرفة من التشويه.
ثالثًا: الاستمرارية. فالعلم لا يجب أن يظهر كـ “إطفائي” وقت الأزمات ثم يغيب. إنما ينبغي أن يكون حاضرًا في النقاش العام، مشاركًا في التخطيط، مقيمًا للسياسات، ومساهمًا في تشكيل المستقبل قبل وقوع الأزمات لا بعدها فقط.
وعندما يدرك الناس أن المؤسسات العلمية ليست مجرد واجهة أو ديكور يُستدعى عند الحاجة، بل شريك حقيقي في صناعة القرار، تبدأ الثقة بالنمو. وهذه الثقة لا تُحصّن القرارات فحسب، بل تحمي المجتمع نفسه من الانقسام، وتمنع تمدد الخطاب المضلل، وتمنح المواطنين شعورًا بأنهم جزء من عملية صنع المستقبل لا مجرد متفرجين عليها.
فالعلوم ليست جداول ومعادلات، وليست أرقامًا صامتة على ورق؛ إنها عقد أخلاقي بين المجتمع والحقيقة. وكلما كان هذا العقد أكثر قوة ووضوحًا، كانت المجتمعات أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر مرونة في التكيف مع التحولات الكبرى، وأكثر استعدادًا لقبول التغيير عندما يصبح ضروريًا—بأقل مقاومة ممكنة، وبأعلى مستوى من الوعي والمسؤولية.