في قاعة واسعة يلتقي جيلان: علماء راكموا خبرة ثلاثين أو أربعين عاماً في المختبرات والمشاريع الوطنية، وشباب وشابات يحملون حماساً كبيراً، ووعياً رقمياً، وأحلاماً جريئة بتغيير العالم. لا يبدو المشهد مجرد مؤتمر أو فعالية عابرة، بل أقرب إلى لوحة بشرية تعبّر عن جوهر فكرة المجلس الاستشاري العلمي: أن المعرفة مشروع جماعي، لا يُنجزها جيل واحد ولا تُختزل في اسم واحد، بل تُبنى بالتراكم والتواصل والحوار.
المجلس الاستشاري العلمي، عندما يعمل بروح حيّة، لا يكون نادياً مغلقاً للأسماء الكبيرة أو للخبرات القديمة فحسب، بل فضاءً يتسع أيضاً للدماء الجديدة، العقول الشابة، والطاقات التي تبحث عن فرصة حقيقية لتُسهم في صناعة المستقبل. فالعالم الخبير يأتي محمّلاً بذاكرة طويلة: يتذكر التجارب التي نجحت، والمشاريع التي تعثّرت، والقرارات التي اتُّخذت في الظروف الصعبة، والدروس التي دُفعت ثمنها باهظاً عندما لم يكن الإصغاء للعلم كافياً. هذه الذاكرة ليست مجرد سرد للماضي، بل بوصلة تحذّر من تكرار الأخطاء، وتساعد على تمييز الطريق الذي يقود إلى النجاح من الطريق الذي يعيد إنتاج التعثر.
في المقابل، يدخل الباحث الشاب إلى هذا الفضاء وهو يحمل نوعاً مختلفاً من القوة: حساسية عالية تجاه التقنيات الحديثة، قدرة على التعامل مع البيانات الضخمة، إلمام بأدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في الوقت الحقيقي، وفهماً عميقاً للعالم الرقمي الذي أصبح يحكم تفاصيل الحياة اليومية. الشاب أو الشابة لا يحملان فقط مهارات تقنية، بل أيضاً جرأة في طرح الأسئلة الصعبة، واستعداداً لتحدّي المسلّمات، والبحث عن حلول لا تزال “غير مألوفة” في عين الأجيال السابقة.
عندما يجلس هذان العالمان – القديم بخبرته، والجديد بحماسه – على الطاولة نفسها، ضمن إطار منظم مثل المجلس الاستشاري العلمي، لا يحدث مجرد تبادل للآراء، بل تتكوّن طبقة جديدة من الوعي. تتحوّل الخبرة القديمة إلى بوصلة هادئة تمنع الانجراف وراء كل موضة تكنولوجية جديدة من دون تقييم، وتمنح النقاش عمقاً ووزناً. في الوقت نفسه، يتحول حماس الشباب إلى محرك فعّال يدفع الأفكار إلى الأمام، ويمنعها من الركود أو الدوران في دائرة التكرار، ويحوّل الرؤى النظرية إلى مشاريع يمكن تنفيذها على أرض الواقع.
بهذا التفاعل، يتشكّل وعي مشترك بأن العلم ليس ملكاً لجيل بعينه، ولا حكراً على فئة محددة. إنه مشروع مستمر عبر الزمن، يبدأ من أسئلة جيل، ويمتد ليُستكمل بأجوبة جيل آخر. الماضي هنا لا يُعامل كعبء، بل كرصيد؛ والحاضر لا يُنظر إليه كتهديد، بل كفرصة؛ والمستقبل لا يُترك للمجهول، بل يُخطط له بوعي جماعي متدرج.
في هذا الحوار بين الأجيال داخل المجلس، لا يكون الهدف مجرد إصدار توصيات رسمية تُرفع في تقارير أو تُعرض في اجتماعات مغلقة. الهدف الأعمق هو بناء ثقافة مستدامة في التفكير العلمي الجماعي، ثقافة تجعل من المجلس مدرسة غير تقليدية، يتعلم فيها الجميع. فالشباب يتعلمون فن طرح السؤال الصحيح قبل الانشغال بالبحث عن الإجابة، ويتعلمون كيف يُنظّمون أفكارهم ضمن سياق وطني واستراتيجي، وكيف يربطون التقنيات الحديثة بالاحتياجات الواقعية للمجتمع، لا بما تفرضه الموضات العالمية فقط.
وفي الوقت نفسه، يتعلم الكبار فن الإصغاء إلى وجهات نظر جديدة لا تشبه ما اعتادوا عليه لسنوات طويلة. يتعلمون أن الحفاظ على المكانة العلمية الحقيقية لا يكون بإغلاق الأبواب أمام الجيل الجديد، بل بفتحها، ومشاركة الخبرة، وتحويل التجربة الشخصية إلى رصيد مشترك. هذا الإصغاء لا ينتقص من قيمتهم، بل يزيدها، لأنه يجعل خبرتهم قادرة على الاستمرار في الزمن عبر عقول جديدة تحمل المشعل من بعدهم.
نجاح هذا الحوار لا يحدث تلقائياً، بل يحتاج إلى إرادة واعية داخل المجلس. يحتاج إلى قيادة تؤمن بأن تنوّع الأجيال قوة لا تهديد، وإلى بيئة تنظيمية تضع مسارات واضحة لمشاركة الشباب في اللجان والفرق البحثية، وتفتح لهم فرصاً حقيقية للمساهمة في إعداد الدراسات والتقارير، لا أن يكونوا مجرد حضور صامت. كما يحتاج إلى برامج تدريب وتوجيه (Mentoring) يترافق فيها كل باحث شاب مع خبير أقدم، في علاقة تمتد إلى ما هو أبعد من مشروع واحد أو اجتماع عابر، لتتحول إلى رحلة تعليم وتطوير مستمرة.
ومن العناصر الحاسمة أيضاً توفير مساحة آمنة للنقاش داخل المجلس؛ مساحة تسمح بالاختلاف في الرأي من دون أن يتحول إلى صدام شخصي، وتحتضن التجديد من دون أن تسقط في فوضى التجريب غير المسؤول. في مثل هذه البيئة، يصبح من الطبيعي أن يقترح الشاب حلاً غير تقليدي، وأن يرد الخبير بتجربة سابقة تكشف نقاط قوته وضعفه، ثم يُعاد تشكيل الفكرة لتصبح أكثر نضجاً وقابلية للتطبيق.
عندما تتحقق هذه الروح، يتحول المجلس الاستشاري العلمي فعلاً إلى منصة لصناعة المستقبل، لا مجرد جهاز لخدمة الحاضر. يصبح “بيت خبرة حيّاً” تجتمع فيه ذاكرة الماضي، وحيوية الحاضر، وجرأة التخيل للمستقبل في مكان واحد. في هذا البيت، لا يُسأل الشاب: “من أنت لتبدي رأيك؟”، ولا يُقال للخبير: “انتهى دورك”. بل يُنظر إلى الجميع كأجزاء من منظومة واحدة؛ كل جزء منها ضروري لكي تكتمل الصورة، ولكي يتحول العلم من كلمات في تقارير إلى قوة حقيقية تغيّر الواقع.